الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

447

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

في الأحكام الشرعية وثانيا أن ما ذكروه يرجع إلى أن الله تعالى حكم بالاستحباب لموافقة البراءة الأصلية ومن المعلوم أن أحكامه تعالى تابعة للحكم والمصالح المنظورة له تعالى وهو أعلم بها ولا يمكن أن يقال مقتضى مصلحة البراءة الأصلية فإنه رجم بالغيب وجرأة بلا ريب ومن هذا القسم أيضا ما تعارضت فيه الأخبار على وجه يتعذر الترجيح فيها بالمرجحات المنصوصة فإن مقتضى الاحتياط التوقف في الحكم ووجوب الإتيان بالفعل متى كان يقتضي الاحتياط ذلك فإن قيل إن الأخبار في الصورة المذكورة قد دل بعضها على الإرجاء وبعضها على العمل من باب التسليم قلنا هذا أيضا من ذلك فإن التعارض المذكور مع عدم ظهور مرجح لأحد الطرفين ولا وجه يمكن الجمع به في البين مما يوجب دخول الحكم المذكور في المتشابهات المأمور فيها بالاحتياط ومن هذا القسم أيضا ما لم يرد فيه نص من الأحكام التي لا تعم بها البلوى عند من لم يعتمد على البراءة الأصلية فإن حكم فيه ما ذكر كما سلف في مسألة البراءة الأصلية انتهى وأنت خبير بأن الصور المذكورة في كلامه مما لم يقم في شيء منها دليل على وجوب الفعل فيندرج الجميع فما قرره أولا من البناء على البراءة الأصلية في نفي الوجوب من فعل وجودي إلى أن يثبت خلافه وقد ذكر أنه لا خلاف في صحة الاستناد إليه فحكمه هذا بوجوب مراعاة الاحتياط بالإتيان بالفعل تناقض واضح وكلامه هنا موافق لما ذكره المحل بل مأخوذ منه وقد اتضح فساده بما قررناه وبما يأتي الإشارة إليه من الأدلة على الأصل المذكور في الأخبار التي أشار إليها في المقام المتقدم كفاية في إبطال الحجج ثم إنه قد تلخص مما قررناه ذهاب الفاضلين المذكورين ومن تبعهما إلى لزوم مراعاة الاحتياط بالإتيان بالفعل مع دوران الأمر بين الوجوب وعدمه وأن هذا القول وإن لم يعرف لأحد من الأصحاب بل قد عرفت حكايته عن جماعة على عدم وجوبه إلا أن أهل ذكروا خلافا في وجوب الاحتياط وحكي في المعالم عن جماعة القول بوجوبه وقضية ذلك عدم جواز الاعتماد على أصالة البراءة إلا أنه لا يعرف كون القائل المذكور من الأصحاب نعم يوجد في كلمات جماعة من الأصحاب التمسك بطريقة الاحتياط وذلك يومي إلى مراعاته عندهم إلا أن كثيرا من تلك المقامات مما ثبت فيه التكليف على سبيل الإجمال وهو غير ما نحن بصدده الآن والبناء فيه هناك على وجوب الاحتياط بعيد كما سيأتي الإشارة إليه ولو وجد منهم احتجاج بالاحتياط في غير هذا المقام فيمكن أن يكون ذلك لتشبيه المرام لاختلاط الأدلة بالمؤيدات في كلماتهم أو في مقام المنازعة مع من يقول بوجوبه وكيف كان فكلماتهم في كتبهم مشحونة بالاحتجاج بأصالة البراءة بحيث لا يخفى على من راجع كتبهم وحيث إن المسألة وإن كانت غنية عن التعرض لبيانها وإطالة الكلام في حججها إلا أنها لما صارت محلا لمناقشة الجماعة فالحري أن نشير إلى أدلتها في الجملة أما الكتاب فيمكن الاستناد فيه إلى عدة آيات كقوله تعالى ما كان الله ليضل قوما بعد إذ هديهم حتى تبين لهم ما يتقون وقوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ما آتاها ونحوها مما سيأتي الإشارة إليها وإلى ما فيها من المناقشة عند بيان أصالة الإباحة وأما السنة فأخبار كثيرة دالة على ذلك منها ما رواه الشيخ في التهذيب عن الصادق عليه السلام أنه قال كل شيء مطلق حتى يرد فيه نص فإنه يعم الأمر والنهي ومنها الحديث المشهور رفع عن أمتي الخطاء وسيأتي الكلام في بيان دلالتها مع سائر الأخبار الدالة على نفي التكليف عن الجزء المشكوك ويشير إليه أيضا ما دل على حجية الاستصحاب إذ البراءة القديمة ثابتة من غير شك فيستصحب وقضية ذلك البناء على البراءة حتى يثبت الشغل فيكون ذلك من الأدلة على الأصل المذكور كما أشرنا إليه وأما الإجماع فقد عرفت الإجماعات المحكية عليه سيما من الأخبارية وهو أيضا من ملاحظة الكتب الاستدلالية وجريان الطريقة عليه خلفا بعد سلف من أعصار الأئمة عليهم السلام بل الظاهر ثبوته في الصدر الأول أيضا فإن أهل البلاد النائية كانوا على لزوم مراعاة الاحتياط في جميع أفعالهم بالمواظبة على جميع ما يحتملون وجوبه إلى أن يأتي نص على عدمه بل من البين أنهم ما كانوا يحكمون على شيء بحكم إلا بعد قيام البينة عليه ونهوض الحجة به كما لا يخفى على من تأمل في طريقهم وفي الأخبار المتقدمة إشارة إليه وأما العقل فإنه إنما بعثت الأنبياء ونصب الأوصياء لتبليغ الأحكام وإرشاد الأنام إلى مسائل الحلال والحرام فإذا لم يرد التبليغ بوجوب شيء والتكليف به دل ذلك على انتفاء وجوبه إذ لو وجب لكان قضية الحكم الباعثة على بعث الرسل تبليغ الحكم فيه هذا إذا انتفي البيان من أصله وأما إذا انتفي الوصول إليه فقد يتخيل أن الأمر عكس ذلك إذ قضية دفع الضرورة وجوب الاحتياط فيما يحتمل فيه الوجوب إذا انتفي فيه احتمال المنع كما هو مورد البحث ويدفعه أن البناء عليه قاض بلزوم العسر والحرج الشديد الذي لا يوافق طريقة اللطف سيما بعد العلم بكون الشريعة سمحة سهلة بل قد سهل الأمر إلى التكليف بغير المقدور لتكسر الاحتمالات وترجيح بعضها على بعض ترجيح من غير مرجح فملاحظة ذلك بقطع العقل بانتفاء التكليف ويرد عليه أنه لو تم ذلك فإنما يتم فيما إذا كانت الاحتمالات كثيرة غير محصورة وأمّا إذا انحصرت في أمور عديدة لا حرج في الإتيان بها فلا وهذا أمر حاصل في الأغلب لقيام الإجماع وغيره من الأدلة على انتفاء احتمال الوجوب في معظم الأفعال وما يحتمل وجوبه مما لم يدل دليل على انتفاء الوجوب فيه أمور عديدة يمكن مراعاة الاحتياط فيها فمع الغض عن الأدلة المتقدمة فينبغي القول بوجوب الاحتياط نظرا إلى حكم العقل نعم إذا لوحظ دلالة الشرع على سقوط التكليف حينئذ فلا كلام وما ذكر من الوجوه في إثبات الإباحة غير جائز في المقام لما عرفت من الفرق نعم إن فرض عدم انحصار الأمر في المقام كما قد يتفق بالنسبة إلى من بعد من بلدان الإسلام بحيث لا يقدر على تعريف الأحكام وكان بناؤه على مراعاة الاحتياط متعذرا أو متعسرا جدا بحيث يقطع العقل بعدم ابتناء الشريعة عليه كان ما ذكر من حكم العقل متجها وأما في غيره فالقول بإطلاق استقلال العقل بنفي التكليف بعيد جدا وقد ظهر بما قررنا ضعف ما ذكره بعض الأفاضل في تقرير الدليل المذكور من أن الأصل لا زالت عليه الذمة قبل ثبوت التكاليف هو البراءة إذ لو لم يكن على ذلك لكانت على الشغل وهو الحرج العظيم الذي دلت على نفيه الآية والرواية ومتى ثبت الأصل المذكور لم يحتج في التعلق به إلى حجة لاستمراره كما في أصل الإباحة والطهارة والعدم فإنا لا نحتاج في إجراء هذه الأصول إلى أكثر من إثباتها لاندفاعه بأن الأصل المفروض إن ثبت مطلقا ثم ما ذكروا وإلا فلا يوجب الخروج عن مقتضاه مجرد الاحتمال ما لم يقم دليل شرعي على